عمر السهروردي

167

عوارف المعارف

عن المشي وبقيت أتأخر عن القافلة قليلا قليلا حتى مرت القافلة ، فقلت في نفسي : هذا الآن مني إلقاء النفس إلى التهلكة وقد منع اللّه من ذلك ، وهذه مسألة الاضطرار أسأل ، فلما هممت بالسؤال انبعث من باطني إنكار لهذه الحال ، وقلت عزيمة عقدتها مع اللّه لا أنقضها ، وهان على الموت دون نقض عزيمتي ، فقصدت شجرة وقعدت في ظلها ، وطرحت رأسي استطراحا للموت ، وذهبت القافلة . فبينما أنا كذلك إذ جاءني شاب متقلد بسيف وحركني ، فقمت وفي يده أداوة فيها ماء فقال لي اشرب ، فشربت ثم قدم لي طعاما وقال كل ، فأكلت ، ثم قال لي أتريد القافلة ؟ فقلت من لي بالقافلة وقد عبرت ؟ فقال لي قم ، وأخذ بيدي ومشى معي خطوات ثم قال لي : اجلس فالقافلة إليك تجئ ، فجلست ساعة فإذا أنا بالقافلة ورائي متوجهة إلى . هذا شأن من يعامل مولاه بالصدق . وذكر الشيخ أبو طالب المكي رحمه اللّه أن بعض الصوفية أول قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أحل ما أكل المؤمن من كسب يده » بأنه المسألة عند القافة ، وأنكر الشيخ أبو طالب هذا التأويل من هذا الصوفي ، وذكر أن جعفرا الخالدي كان يحكى هذا التأويل عن شيخ من شيوخ الصوفية ، ووقع لي واللّه أعلم أن الشيخ الصوفي لم يرد بكسب اليد ما أنكر الشيخ أبو طالب منه . وإنما أراد بكسب اليد رفعها إلى اللّه تعالى عند الحاجة ، فهو من أجل ما يأكله إذا أجاب اللّه سؤاله ، وساق إليه رزقه . وقال اللّه تعالى حكاية عن موسى عليه السلام . . . رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ « 1 » . قال عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما : قال ذلك وإن خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال .

--> ( 1 ) سورة القصص : الآية 24 .